المحقق البحراني

29

الكشكول

فظهر له قوله تعالى : ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) فنصب المصحف يوما فرماه بالنشاب وأنشد شعرا : تهددني بجبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد فإذا نظر العاقل إلى هذه المفاسد كلها لرأى أن أصلها منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن كتابة الكتاب وجعل الخلافة باختيار الناس من غير نص ممن له النص فكل السبب من عمر بن الخطاب . ولا يظن أحد أني أقول هذا بغضا لعمر لا واللّه وإنما هو مسطور في كتبهم والحال كذلك فما يسعني أن أنكر شيئا مما وقع ومضى . قال يوحنا : فلما رأيت هذه الاختلافات من كبار الصحابة الذين يذكرون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فوق المنابر عظم عليّ الأمر وغمّ عليّ الحال وكدت أفتتن في ديني ، فقصدت بغداد وهي قبة الإسلام لأفاوض فيما رأيت من اختلاف علماء المسلمين لأنظر الحق وأتبعه ، فلما اجتمعت بعلماء المذاهب الأربعة قلت لهم : إني رجل ذميّ وقد هداني اللّه إلى الإسلام فأسلمت وقد أتيت إليكم لأنقل عنكم معالم الدين وشرائع الإسلام والحديث لأزداد بصيرة في ديني . فقال كبيرهم وكان حنفيا : يا يوحنا مذاهب الإسلام أربعة فاختر واحدا منها ثم اشرع في قراءة ما تريد . فقلت له : إني رأيت تخالفا وعلمت أن الحق منها واحد فاختاروا لي ما تعلمون أنه الحق الذي كان عليه نبيكم . قال الحنفي : انا لا نعلم يقينا ما كان عليه نبينا بل نعلم أن طريقته ليست خارجة من الفرق الإسلامية وكل من أربعتنا يقول أنه محق لكن يمكن أن يكون مبطلا ، ويقول إن غيره مبطل لكن يمكن أن يكون محقا ، وبالجملة ان مذهب أبي حنيفة أنسب المذاهب وأطبقها للسنة وأوفقها بالعقل وأرفعها عند الناس ، ان مذهبه مختار أكثر الأمة بل مختار سلاطينها فعليك به تنج . قال يوحنا : فصاح به إمام الشافعية وأظن أنه كان بين الشافعي والحنفي منازعات فقال له : اسكت لا نطقت واللّه لقد كذبت وتقولت ومن أين أنت والتمييز بين المذاهب وترجيح المجتهدين ؟ ويلك ثكلتك أمك وأين لك وقوفا على ما قاله أبو حنيفة وما قاسه برأيه ، فإنه المسمى بصاحب الرأي يجتهد في مقالة النص ويستحسن في دين اللّه ويعمل به حتى أوقعه رأيه الواهي في أن قال : لو عقد رجل في بلاد الهند على امرأة كانت في الروم عقدا شرعيا ثم أتاها بعد سنين فوجدها حاملة وبين يديها صبيان يمشون ويقول لها : ما هؤلاء ؟ وتقول له : أولادك فيرافعها